لنكولن في الباردو، لنكولن في جيتيسبيرغ

لنكولن في الباردو، لنكولن في جيتيسبيرغ

ممدوح عبدالله

أصدر القاص الأمريكي جورج ساندرز عمله الروائي الأول: لنكولن في الباردو عام 2017م، وسرعان ما أخذت مكانًا لها في الوسط الأدبي، حتى أعلن لاحقاً فوز الرواية بجائزة “مان بوكر” . من المثير للاهتمام أن جورج ساندرز لم يكتب رواية قبل عمله هذا. كان معروفاً في الوسط الأدبي بأنه كاتب قصص قصيرة، ولن تكون مبالغة إذا تم الإشارة إليه بأنه أحد الذين يجيدون كتابة القصة القصيرة ببراعة، وأنه أحد أسيادها. لكن، أن تكتب رواية – وهو فنٌّ لم تكن معروفاً به من قبل- ثم تحصد الرواية الاهتمام وتحقق نجاحات عدة، هنا تُطرح الأسئلة حول ماهية الرواية التي كتبها شخص لم يكن معروفاً في عالم الرواية. وما هي أسباب نجاح هذه الرواية وانتشارها.
جورج ساندرز قام بتوظيف كل طاقته في كتابة قصة القصيرة، ليصنع عملاً روائياً مكون من آلاف القصص القصيرة. لن يجد القارئ الذي يقرأ رواية لنكولن في الباردو الشكل الكلاسيكي في كتابة الرواية، بل سيجد نفسه أمام عمل روائي تجريبي من صناعة كاتب محترف يجيد فن القصة القصيرة. ليس هناك حوارات، ليس هناك أحداث، ليس هناك بداية ونهاية للعمل الروائي، بل أصوات. أصوات إنسانية تعبر عن عشقها وتعلقها بالحياة، لكنها الحياة التي لن يكون مُقدراً لهم أن يعودوا إليها من جديد.
قد يتبادر إلى الذهن لحظة قراءة العنوان أننا أمام عمل روائي، يتناول شخصية تاريخية لها حضور مركزي في الذاكرة السياسية والشعبية الأمريكية. أن تكتب عملاً تاريخياً روائياً، فهو يحتاج لجهد، وأن تجمع المعلومات لتبني مسار الرواية. والأهم من ذلك: كيف يمكن السيطرة على مسار الرواية التاريخي بوجود شخصية ليس لأنها أشبه بالأسطورة، بل لأنه تحمل تاريخ شعب بأكمله، وتحديداً فترة الحرب الأهلية الأمريكية. هناك آلاف المؤلفات تناولت هذه الشخصية، من كتب التاريخ إلى العالم الأدبي والروائي، وحتى عالم الأفلام السينمائية. هناك نماذج أمريكية حديثة كان لها النجاح في كتابة الرواية التاريخية، مثل جون ويليامز عبر رواية أغسطس، وهي عن الامبراطور الروماني أغسطس. وكذلك الروائي الأمريكي غور فيدال، الذي كتب ملحمة تاريخية من عدة روايات تقص التاريخ الأمريكي، ومن أشهر روايات هذه السلسلة رواية تحمل اسم لنكولن. لن يجد جورج ساندرز مهرباً من مقارنة عمله هذا بعمل غور فيدال، والذي يحمل قيمة فنية وأدبية مميزة.
جورج ساندرز قضى على كل المقارنات التي ستحدث بين عمله هذا وبين أي عمل روائي قد يتناول شخصية لنكولن. والسبب: أن عمله هذا ليس رواية كتبت على الطريقة الكلاسيكية، وليست رواية تاريخية، وغير مهتمة بكتابة التاريخ الذي قد يمتد لزمن روائي طويل. لم يتناول شخصية لنكولن إلا في إطارها الإنساني فقط، كأب، وكشخص حقيقي له حضور في الذاكرة البشرية، بإمكانه أن يربط ويوحّد عوالم الرواية الممتدة بأزمنة وفضاءات شاسعة، بلحظة زمنية واحدة، بل والأكثر قوة، أن تكون كل أحداث الرواية لا تتجاوز ليلة واحدة، أو بضع ساعات على وجه التحديد.
نحن هنا أمام عودة جديدة لتيار الوعي، ليخلق فضاءً روائياً يجوب الأزمنة والأمكنة ليعبر عن ليلة واحدة. لكن ساندرز يتخطى هذه العودة لتيار الوعي، ليبني عملاً روائياً تم بناؤه بالاستعانة بفكرة ثقافية من التراث البوذي. منطقة الباردو حسب هذا التراث هي منطقية فاصلة بين الموت والبعث من جديد، الموت والولادة الجديدة. جورج ساندرز أخذ يجوب هذا الفضاء الزمني بين الموت والبعث ليصنع أبطاله وشخصياته، ليعبروا عن طموحهم وآمالهم وعشقهم للحياة، وعدم اعترافهم- أو عدم يقينهم بأنهم أموات.
ما صلة لنكولن في هذا الفضاء الذي يبدو ضيقاً جداً، ولا يعرف القارئ عنه شيئاً إلا أنها منطقة فاصلة؟ لنكولن هو الذي سوف يقوم بالربط بين الحياة والموت عبر واحدة من لحظات حياته العائلية، وهو موت طفله ويلي، وهو حدثٌ حقيقي سُجل في طيات التاريخ. حين يكتب ساندرز عن موت ويلي لنكولن، نقرأ نصوصًا تاريخية حقيقية، ونصوصًا تاريخية مختلقة، وكأنها قصص قصيرة تتناول هذه اللحظة التاريخية. بل هي قصص قصيرة، أو مقطوعات تاريخية، كل مقطوعة لها صوتها المميز. لكن، ونحن نقرأ هذه القصص القصيرة عن لحظات معينة، وذات الصور المتعددة، من قال إن الحقيقية لها صورة واحدة في هذه القصص؟ لها عدة صور، وقد تبدو متناقضة تناقضاً صارخاً. فحين يصف أحد المصادر التاريخية القمر في ليلة موت ويلي بأنه موجودٌ وظاهر، مصدرٌ أخر ينفي وجوده، وآخر يشبّهه بلون آخر لا يمكن أن يكونه. هذه صورة مبسطة فقط، هناك صور أخرى تتعلق بالإنسان. فحين يصف مصدراً لنكولن بأنه وسيم، يصفه الآخر بالقبيح، وآخر بالدميم، وآخر بالأكثر حزناً. هذا التعدد في التعبير عن الحقيقية يعطي الرواية بعداً توثيقياً، رغم أنه ليس هدف الروائي الأساسي.
استمد جورج ساندرز الحدث الرئيسي في رواية لنكولن في الباردو من استماعه لأحد أقاربه قبل عدة أعوام، يخبره بأن بعض الصحف تحدثت عن زيارة قام بها أبراهام لنكولن لقبر ابنه ويلي، وأنه قام بإخراج طفله المتوفى حديثًا من تابوته وقام باحتضانه. وكأن هذا المشهد صورة مصغرة لتحفة مايكل انجلو: البيتا. هذا الحدث الصغير هو أساس الرواية وبنيانه الرئيسي: الموت.
الشخصية الروائية لا تفقد صوتها الروائي لحظة مغادرة الروح لجسدها. بل تمتد وتستمر في التعبير عن حضورها. لكنه استمرار منقطع، لا يوجد فيه أي نوع من التواصل الإنساني. الشخصيات الروائية تجتمع في المقبرة. لم يعد يملكون فضاءً جسدياً يعبر عن حضورهم، بل أرواح، تطوف في سلسلة من التغيرات والأفكار انتظاراً للحظة البعث من جديد. هل يعطي الروائي جورج ساندرز فرصة لشخصياته الروائية بأن يعودا ويولدوا من جديد؟ أم يقضي عليهم ويكشف لهم الحقيقة التي يتعامون عنها ويرفضون الاعتراف بها، أي أنهم أموات؟
فكرة النقطة الزمنية بين الموت والحياة هي الفضاء التي تعبر فيها الشخصيات الروائية عن امتداداتهم العائلية والتاريخية، وآمالهم وطموحهم ليقضوا وقتاً آخر في هذه الحياة. هذه أهم نقطة استغلها الروائي من التراث البوذي. ليس مهتماً بعودتهم وإعطاءهم أمل للعودة من الجديد، بقدر ما يترك لهم المساحة لتسمع أصواتهم. هذا هو العالم الآخر، عالم الأوراح المنسية التي فقدت أحبائها، وتشعر بالرغبة الشديدة لأن يتواصل معهم أحد من الكائنات الحية.
يزيد الروائي إثارة هذا الفضاء الروائي بزيارة أبراهم لنكولن لطفله المتوفى حديثاً. بتواصله الحي مع ابنه واحتضانه له. وكأن هذه الزيارة التي عنوانها حب الأب لطفله الصغير، قد قذفت عالم الأرواح الميتة إلى عالم آخر، أصبح فيه ممكناً أن يكون هناك تواصل مع الأحياء، أن يزور الأب أبناءه، وتزور الزوجة زوجها، ويزور الأبناء أباءهم وأمهاتهم. أية رغبة تلك تصل فيها الشخصية الروائية، عندما تجد أن هناك أمل للعودة من جديد، ليس لتصحيح مسار الحياة التاريخي، أو أن يكونوا شخصيات أفضل وأكثر رحمة أو شيء من هذا القبيل، بل أن تعيش وتتذوق طعم الحياة، الحياة فقط. هذه الميزة الرئيسية لوجود شخصية لنكولن في هذه الرواية: أن يكون نقطة اتصال بين الأرواح في المقبرة، ونقطة مركزية لأملهم للبعث من جديد.
من المميزات التي تتميز بها الأعمال الروائية، أنها لا تدور في اتجاهٍ واحد، أو مكتوبة على طراز معين. هناك تيارات متعددة وأشكال مختلفة. أن تخلق عملاً روائياً مميزاً، هذا أمر جيد وجميل. لكن أن تصنع شكلاً جديداً، وتحدد حدوده واتجاهاته والشخصيات التي تملأ هذا الشكل، وتتفرد به، هذه عبقرية، تحسب للروائي الذي أبدع في صياغتها، وللرواية التي تجد نفسها في حالة تجديد مستمر. والرواية تستطيع أن تعطي صورة أجمل وأفضل للأحداث التاريخية، بل وقد نجد أنفسنا أمام لحظة نقول إن هذا الحدث لا بد وأن يكون كما كتب في الرواية. هل نستطيع تخيل معركة بوردينو دون أن يكون تولستوي هو كاتب سيناريو المعركة في الحرب والسلام؟ وكذلك هي رواية لنكولن في الباردو. لم تتناول شخصية لنكولن بالتفصيل، ولا حتى كان لها الاهتمام به إلا باعتباره نقطة اتصال، ولكن كان هناك إشارات عدة من أصوات في الرواية عن الرجل الذي يقود حرب أهلية لا يُعرف كيف ستنتهي. وهذه الإشارات كانت عبر نصوص متعددة عن فقد الأب لطفله، رؤية الأب لما يحدث وهو سائر في المقبرة بين عالم الأموات، وعلى القرب منه، هناك ما لا يقلّ عن ثلاثة آلاف قتيل في معركة واحدة، كيف ستنتهي وما هو مصير الحياة. لا نقرأ لنكولن من الخارج، بل من الداخل. وما كان لهذا أن يتم في هذا العمل الروائي دون إجادة صناعة العمل الروائي الذي أبدع فيه جورد ساندرز بكل عبقرية.
الصور العديدة للأرواح التي تطوف في المقبرة، مهما كانت درجة وجودهم في النص الروائي، إلا أنهم بحاجة لنوع من السيطرة، يوجه هذه الأرواح. مثل دانتي في كوميدياه. في هذا النص كانت المركزية في ثلاث شخصيات: القس إيفرلي تومس، وهامز فولمن، وروجز بيفنز الثالث. هم الذين يقودون مسار الرواية – دون تخطيط أو وجود تأثير منهم، لتعبر الأرواح عن تطلعاتها ووجودها. كل شخصية حين تعبر عن ذاته، فهي تمتلك خاصية تعبيرية تميزها عن الأخرى. هناك نصوص شعرية، نصوص حزينة، نصوص ساخرة، كوميدية، نصوص لشخصيات لا تستطيع أن تتكلم بلغة سليمة. هذه التشكيلة من النصوص هي التي بمقدروها أن تصنع عالماً حقيقياً، لتعبر عن مجموعة هائلة من البشر.
أن تكون النصوص مجرد قصص قصيرة، قد تصبح المشاهد الفنية مبتورة، أو ناقصة، لا يستطيع الروائي أن يستغل المساحة الروائية في صناعة مشاهد تبقى في الذاكرة. في هذا النص الروائي، سطر أو واحد، أو عدة صفحات من حديث لإحدى الشخصيات كافية لتصنع مشاهد فنية مؤثرة. فحين يتحدث القس وهو يشاهد لينكولن يسير على غير هدى في المقبرة، يعطي صورة واحدة ليرسم مشهداً عن هذه الشخصية: ظهر القمر ساطعاً في السماء، فأمكننا أن ننظر جيداً إلى وجهه، يا لوجهه!
ما كان لقراءة هذه الرواية أن تكون جميلة، إلا عبر ترجمة المترجم العماني التميز أحمد المعيني الترجمة كانت في غاية الجمال، وتعريف القارئ ببعض الشخصيات التي كانت تتحدث دون طريقة جيدة أو تعبر عن مستوى تعليمي منخفض، كان مميزاً وفي غاية الجمال.
أتوقف هنا عن الحديث عن الرواية، وأترك الفرصة للقارئ ليأخذ فرصته لقراءة رواية ذات طابع تجريبي جديد، يجد فيها أشياء جديدة لم يتم التطرق لها من قبل.

لتكملة قراءة المقال:

https://mana.net/archives/2152

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *